فصل: فَصْل في تسمية الغناء بالصوت الأحمق والفاجر:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: موارد الظمآن لدروس الزمان



.حكم سماع الأغاني وبيان ضررها على المسلم:

وقال بعض العارفين: السماع يورث النفاق في قوم، والتكذيب في قوم، والفجور في قوم، والرعونة في قوم، واكثر ما يورث عشق الصور، واستحسان الفواحش، وإدمانه يثقل القرآن على القلب، ويكرهه إلى سماعه بالخاصة، وإن لم يكن هذا نفاقًا فما للنفاق حقيقة، وسر المسألة أنه قرآن الشيطان كما سيأتي، فلا يجتمع هو وقرآن الرحمن في قلب أبدًا، وأيضًا فإن أساس النفاق أن يخالف الظاهر الباطن، وصاحب الغناء بين أمرين: إما أن يتهتك فيكون فاجرًا، أو يظهر النسك فيكون منافقًا، فإنه يظهر الرغبة في الله والدار الآخرة وقلبه يغلي بالشهوات، ومحبة ما يكرهه الله ورسوله من أصوات المعازف وآلات اللهو، وما يدعو إليه الغناء ويهيجه، فقلبه بذلك مغمور، وهو من محبة ما يحبه الله ورسوله وكراهة ما يكرهه قفر وهذا محض النفاق.
وأيضًا فإن الإيمان قول وعمل، قول الحق وعمل بالطاعة وهذا ينبت علي الذكر وتلاوة القرآن، والنفاق قول الباطل وعمل الغي، وهذا ينبت على الغناء، وأيضًا فمن علامات النفاق قلة ذكر الله، والكسل عند القيام إلى الصلاة، وقل أن تجد مفتونًا بالغناء إلا وهذا وصفه، وأيضًا فإن النفاق مؤسس على الكذب، والغناء من أكذب الشعر، فإنه يحسن القبيح ويزينه ويأمر به، ويقبح الحسن ويزهد فيه، وذلك عين النفاق وأيضًا فإن النفاق غش ومكر وخداع، والغناء مؤسس على ذلك، وأيضًا فإن المنافق يفسد من حيث يظن أنه يصلح، كما أخبر الله سبحانه بذلك عن المنافقين، وصاحب السماع يفسد قلبه وحاله، من حيث يظن أنه يصلحه، والمغني يدعو القلوب إلى فتنة الشهوات، والمنافق يدعوها إلى فتنة الشبهات قال الضحاك: الغناء مفسدة للقلب، مسخطة للرب. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى مؤدب ولده: ليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض الملاهي، التي بدؤها من الشيطان وعاقبتها سخط الرحمن، فإنه بلغني عن الثقات من أهل العلم أن صوت المعازف واستماع الأغاني، واللهج بها، ينبت النفاق في القلب، كما ينبت العشب على الماء، فالغناء يفسد القلب، وإذا فسد القلب هاج فيه النفاق.
قال: وأما تسميته قرآن الشيطان. فمأثور عن التابعين. وعن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن إبليس لما أنزل إلى الأرض قال: يا رب أنزلتني إلى الأرض وجعلتني رجيمًا، فاجعل لي بيتًا، قال: الحمام. قال: فاجعل لي مجلسًا. قال: الأسواق ومجامع الطرق. قال: فاجعل لي طعامًا. قال: كل ما لم يذكر اسم الله عليه. قال: فاجعل لي شرابًا. قال: كل مسكرٍ. قال: اجعل لي مؤذنًا. قال: المزمار. قال: اجعل لي قرآنًا. قال: الشعر. قال: فاجعل لي كتابًا. قال: الوشم. قال: اجعل لي حديثًا. قال: الكذب. قال: اجعل لي رسلاً. قال: الكهنة. قال: اجعل لي مصائد، قال: النساء».
اللهم خفف عنا الأوزار وارزقنا عيشة الأبرار واصرف عنا شر الأشرار وأعتق رقابنا ورقاب آبائنا وأمهاتنا من النار يا عزيز يا غفار ويا كريم ويا ستار ويا حليم ويا جبار واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قَدْ أَشْرَقَتْ رَايَةُ الإِسْلامِ وَالأَدَبِ ** فَحَيِّهَا مُعْلِنًا بِالشِّعْرِ وَالْخَطَب

وَاهْجُرْ سَبِيلَ الأوُلَى جَادُوا بِشِعْرِهِمْ ** لِمَنْزِلٍ دَارَسِ الإطلالِ مِنُ نُوَبِ

يُشْجِيهِمْ ذِكْرُ آرَام نَعِمْنَ بِهِ ** تَسُومُ بِنْتُ الرُّبَى فِي مَأْمَنَ خَصَبِ

وَذِكْرُ عَيْنٍ لَهَا فِي الْقَلْبِ مَنْزِلَةُ ** تَلْقَى قُلُوب أُولِي الأَحْلامِ فِي كُرَبِ

كَمِثْلِ رِيمِ يَمِينِ الرَّنْدِ قَدْ عَرَضَتْ ** أَلْقَتَ إِليَّ سِهَامَ الْحُزْنِ وَالشَّجَبِ

عِينُ الْمَهَاةِ رَمَتنِي وَهِيَ مُعْرِضَةُ ** فَصِرْتُ ذَا حَيْرَةِ فِي كَفِّ مُسْتَلِبِ

لَمَّا تَوَلَّتْ بِقَلْبِي قُلْتَ وَآسَفِي ** هَلْ مِنْ جَنَاحٍ فَأقْفُو مُنْتَهَى طَلَبِي؟

لَوْلا التَّجَلُّدُ مَا أَمْسَيْتُ فِي سَكَنٍ ** وَكُنْتُ فِي الْبَيْدِ بَيْنَ الْوَحْشِ لَمْ أَثْبِ

لَعَلَّ رِيحُ الصِّبَا تَأْتِي بِرَائِحَةِ ** مِنْ نَفْجِ عَنْبَرِهَا يَشْفِي لِذِي الْوَصَبِ

مَا كُنْتُ أَعْرِفُ قَبْلَ إليوْمِ مَا وَصَفَتْ ** أَهْلُ النَّسِيبِ مِنَ الأَشْجَانِ وَالْكَأَبِ

لَمَا بُلِيتُ أَقَمْتُ الْعُذْرَ دُونَهُمْ ** عُذْرَ الْخَبِيرِ بِسَهْمِ الْفَاتِكِ الأَرَبِ

فَلَيْتَ ذَا الْعَقْلِ يَرْثِي لِي وَيَعْذُرُنِي ** وَلَيْتَ أَهْلُ النُّهَى وَالدِّينِ وَالأَدَبِ

إِذْ يَعْذِلُونُ لِصَبٍ يَأْتِ مُكْتَئِبًا ** يَلْقَوْنَ مِثْلَ الَّذِي أَلْقَى مِن النَّصَبِ

أَوْ يَرْجِعُونَ إِلَى نُصْحٍ وَمَوْعِظَةٍ ** مِنَ الْكِتَابِ وَتَذْكِيرٍ بِهَدْي نَبِي

كَيْمَا يَكُونُ مَرِيضٌ الْقَلْبِ مِنْ سَفَهٍ ** أَوْ غَفْلَةٍ بَيْنَ خَوْفِ اللهِ وَالرَّغَبِ

نِعْمَ الشِّفَاءُ كِتَابُ اللهِ مَعَ سُنَنِ ** كَمْ أَبْرَءَآ دَنِفِ التَّشْكِيكِ وَالرِّيبِ

فَأَدْمِنَ الْوَعْظَ وَالإِرْشَادِ مُجْتَهِدًا ** وَانْشُرْ مَحَاسِنِ هَذَا الدِّينِ فِي دَأَبِ

أَمَا تَرَى النَّشْءَ قَدْ حَادَتْ رَكَائِبَهُمْ ** عَنِ التَّقَدُّمِ لِلْعَالي مِنَ الرُّتَبِ؟

وَغَرَّهُمْ صَوْتُ مِذْيَاعٍ قَدْ امْتَلأَتْ ** مِنْهُ الْمَسَامِعُ فِي تَمْجِيدِ كُلَّ غَبِي؟

بَثُوا الدِّعَايَةَ لِلدُّنْيَا وَزُخْرَفِهَا ** وَلِلتَّنَافُس بِالأَمْوَالِ وَالنَّشَبِ

وَضَلَّلُوا النَّشْء بِالآرَاءِ خَادِعَةٌ ** وَضَيَّعُوا الْوَقْتَ فِي مَلْهَى وَفِي طَرَب

وَلَقَّبُوا الْحَقَّ الْقَابًا مُشَوَّهَةً ** لِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ باللَّقَبِ

وَحَارَبُوا الدِّينَ وَالأَخْلاقَ جُهْدَهُمُ ** يَا بِئْسَ مَا وُعِدُوا فِي شَرِ مُنْقَلَبِ

وَحَسَّنُو السُّبُلَ اللآتِي يَهِيمُ بِهَا ** قَوْمُ يَرَوْنَ الْعُلَى بِالْمِقْول الذَّرِبِ

مَا الْعِلْمُ سَبْكٌ وَتَنْمِيقٌ وَشَقْشَقَةُ ** مِنْ دُونِ نُورٍ مِنَ الْوَحْيَيْن مُصْطَحِبِ

أَغَايَةَ الْعِزِّ أَنْ تَقْلُوا مَبَادِئَكَمْ؟ ** وَتَتْرُكُوا مَجْدَكُمْ نَهْبًا لِمُنْتَهَبِ؟

وَهَلْ يُعدُ عَزِيزًا مِنْ نِهَايَتُهُ؟ ** قَعْرُ الْجَحِيمِ مَعَ الطَّاغِي أَبِي لَهَبِ؟

وَكَمْ غَبِيٍ يَرَى الإِسْلامَ أَخَرَّنَا! ** وَالْكَفَرَ قَدّمِ أَهْلَ الْغَرْبِ وَالْعَجَمِي

يَرَى التَّقَدمُ فِي تَرْكِ التَّدَيُّنَ لَمْ ** يَنْظُرْ لِصَفْوَتِنَا فِي سَالِف الْحُقُبِ

لِذَاكَ عَابَ عَلَى الإِسْلامِ يَهْدِمُهُ ** بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالتَّعْظِيمِ لِلصُّلْبِ

مِثْلُ الْغُرَابِ الَّذِي يَهْوَى وَيَعْجُبُه ** مَشْيُ الْحَمَامَةِ فِي حُسْنٍ وَفِي خَبَبِ

فَحَاوِلْ الْغُمْرُ أَنْ يَحْكِي لِمَشْيَتِهَا ** فَضَلّ مِشْيَتَهُ الأُولَى وَلَمْ يُصِبِ

لا تَظْلِمُوا الدِّينَ إِذْ كَلَّتْ عَزَائِمِكم ** وَتَلَصَّقُوا كُلَّ عَيْبٍ فِيهِ بِالْكَذِبِ!

تَعَلُّمُ الطِّبِ لَيْسَ الشَّرْعَ يَمْنَعُهُ ** وَلا الصَّنَائِعُ فِي نَفْعٍ لِمُكْتَسِبِ

وَإِنَّمَا حَرَّمَ الشَّرْعُ الأُمُورَ إِذَا ** أَدَّتْ لِمَعْصِيَةِ تُلْقِيكَ فِي الْعَطَبِ

بَلْ جَاءَنَا النَّصُّ فِي إِعْدَادِ قُوتِنَا ** كَيْمَا يَكُونُ عَدُو الدِّينِ فِي رَهَبِ!

وَمَنْ أَرَادَ رُقِيًّا أَوْ مُغَالَبَةً ** مِن دُونِ دِينٍ فَمَا أَوْهَاهُ مِنْ سَبَبِ

مَهْلاً بَنِي يَعْربٍ لا تَخْلدُوا كَسَلاً ** وَشَجِّعُوا النَّشْءَ مِنْ أَبْنَائِنَا النُّجُبِ

عَلَى اقْتِحَامِ الْعُلَى فِي كُلِّ آوِنَةٍ ** وَحَاذِرُوا سَكْرَةَ اللَّذَاتِ وَاللَّعِبِ

كَيْمَا تَعُودُ إِلَى الإِسْلامِ عِزَّتُهُ! ** وَيَصْبَحُ الْجَهْلُ وَالْكُفْرَانُ فِي نَصَبِ

أَفِتْيَةُ الدِّينِ وَالْعِلْمِ الصَّحِيحِ لَكُمْ ** مَنَاهِلُ عَذُبَتْ أَحْلَى مِن الضَّرْبِ

وَطَالِبُ الْعِلْمِ مَأْمُولٌ لَهُ أَبَدًا ** مُسْتَقْبَلٌ شَامِخٌ أَعْلَى مِن الشُّهُبِ

وَالْمَجْدُ وَالْعِلْمُ مَقْرُونَانِ فِي قَرَنٍ ** لَكِنَّمَا الْعِلْمُ لا يُجْنَى بِلا تَعَبِ

يَا فِتْيَةِ الضَّادِ إِنَّ الْعِزَّ أَجْمَعُهُ ** فِي الدِّينِ وَالْخُلُقِ الْمَمْدُوحِ فِي الْكُتُب

مَا بَارَزَ الْمُصْطَفَى قَوْمًا بِعِدَّتِهِ ** وَلا الْعَدِيدِ وَلَكِنْ صِدْقُ مُحْتَسَبِ

وَلا الصَّحَابَةُ مَنْ خَافَتْ جُمُوعُهُمُ ** أَهْلُ الْبَسِيطَةِ مِنْ نَاءٍ وَمُقْتَرِبِ

هُمْ دَوَّخُوا كُلَّ جَبَّارٍ وَذِي أَشَرَ ** بِعَزمَةِ الصِّدْقِ ثُمَّ الْعَزْمُ بِالْقُضُبِ

تِلْكَ الْغَطَارِفَةُ الأَمْجَادِ لَمْ يَهِنُوا ** يَوْمًا عَلَى شِدَّةِ الضَّرَاءِ وَالسَّغَبِ

حَدَاهُمْ الشَّوْقُ لِلْمَوْعُودِ فِي زَبُرُ ** حَتَّى اسْتَوَوْا فَوْقَ مَتْنِ الْعِزِّ بِالْغَلَبِ

وَأَنْزَلُوا الْفُرْسَ عَنْ دِيوَانِ مَمْلَكَةٍ ** مَنِيعَةٍ شَمَخَتِ عَنْ كُلَّ مُغْتَصِبِ

وَلَمْ يَعُدْ مَجْدُهَا مِن بَعْدِهِمْ أَبَدَا ** وَكَانَتْ الْفُرْسُ تَحْتَ الذُّلِّ لِلْعَرَبِ

وَقَيْصَرُ قَصَّرَتْ أَيَّامَهُ وَغَدَا ** تَحْتَ السَّنَابِكِ فِي وَيْلٍ وَفِي حَرَبِ

أَمَا سَمِعْتَ بِجُنْدِ اللهِ كَمْ نَصَرُوا؟ ** وَمَزَّقُوا الرُّومَ بِالْحَمَلاتَ وَالرُّعُبِ؟

وَفِي الأَبِلَّةِ والْيَرْمُوكَ مَا فَعَلُوا ** والْقَادِسِيَّةِ يَوْمَ الْجَحْفَل اللَّجِبِ

وَكَمْ بِأَنْدَلسٍ مِنْ وَقْعَةٍ عَظُمَتْ ** فَنَالَتِ الْعُرْبُ فِيهَا مُنْتَهَى الأَرَبِ

وَأَصْبَحَ الْحَقُّ فِي الآفَاقِ مُنْبَعِثًا! ** كَالشَّمْسِ لَكِنَّهُ أَبْهَى وَلَمْ يَغِبِ

ثُمَّ الصَّلاةُ عَلَى أَزْكَى الْوَرَى شَرَفًا ** أَكْرِمْ بِهِ خَيْرَ مَبْعُوثٍ وَمُنْتَخَبِ!

عصمنا الله وإياكم من الزلل ووفقنا لصالح العمل وهدانا بفضله اللهم توفنا مسلمين وألحقنا بعبادك الصالحين واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

.فَصْل في تسمية الغناء بالصوت الأحمق والفاجر:

وأما تسميته بالصوت الأحمق والصوت الفاجر، فهي تسمية الصادق المصدوق، الذي لا ينطق عن الهوى، فروى الترمذي من حديث ابن أبي ليلى، عن عطاء عن جابر رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عبد الرحمن بن عوف إلى النخل، فإذا ابنه إبراهيم يجود بنفسه، فوضعه في حجره ففاضت عيناه، فقال عبد الرحمن: أتبكي وأنت تنهى الناس؟ قال: «إني لم أنه عن البكاء، وإنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين، صوت عند نغمة لهو ولعب ومزامير شيطان، وصوت عند مصيبة، وخمش وجوه، وشق جيوب، ورنة، وهذه رحمة، ومن لا يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ، لولا أنه أمر حق، ووعد صدق وأن آخرنا سيلحق أولنا لحزنا عليك حزنًا هو أشد من هذا، وإنا بك لمحزونون، تبكي العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب». قال الترمذي: هذا حديث حسن. فانظر إلى هذا النهي المؤكد بتسميته صوت الغناء صوتًا أحمق، ولم يقتصر على ذلك حتى وصفه بالفجور ولم يقتصر على ذلك حتى سماه من مزامير الشيطان، وأما تسميته صوت الشيطان فقد قال تعالى للشيطان وجز به: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} عن ابن عباس: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} كل داع إلى معصية، ومن المعلوم أن الغناء من أعظم الدواعي إلى المعصية، ولهذا فسر صوت الشيطان به انتهى بتصرف يسير إنتبه وألق سمعك وحضر قلبك لكلام شيخ الإسلام.
وقال شيخ الإسلام رحمة الله عليه: والشرائع هي غذاء القلوب وقوتها، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه ويروى مرفوعا: «إن كل آدب يحب أن تؤتى مأدبته، وأن مأدبة الله هي القرآن». ومن شأن الجسد إذا كان جائعًا فأخذ من طعام حاجته استغنى عن طعام آخر حتى لا يأكله- إن أكل منه- إلا بكراهة وتجشم، وربما ضره أكله، أو لم ينتفع به، ولم يكن هو المغذي الذي يقيم بدنه، فالعبد إذا أخذ من غير الأعمال المشروعة بعض حاجته، قَلَّتْ رغبته في المشروع وانتفاعه به بقدر ما اعتاض من غيره، بخلاف من صرف نهمته وهمته إلى المشروع، فإنه تعظم محبته له ومنفعته به، ويتم دينه به، ويكمل إسلامه.
ولهذا تجد من أكثر من سماع القصائد لطلب صلاح قلبه تنقص رغبته في سماع القرآن، حتى ربما كرهه، ومن أكثر من السفر إلى زيارة المشاهد ونحوها، لا يبقى لحج البيت المحرم في قلبه من المحبة والتعظيم ما يكون في قلب من وسعته السنة، ومن أدمن على أخذ الحكمة والآداب من كلام حكماء فارس والروم، لا يبقى لحكمة الإسلام وآدابه في قلبه ذاك الموقع، ومن أدمن على قصص الملوك وسيرهم، لا يبقى لقصص الأنبياء وسيرهم في قلبه ذاك الاهتمام ونظائر هذه كثيرة.
ولهذا عظمت الشريعة النكير على من أحدث البدع وحذرت منها، لأن البدع لو خرج الرجل منها كفافًا لا عليه ولا له لكان الأمر خفيفًا، بل لابد أن توجب له فسادًا في قلبه ودينه، ينشأ من نقص منفعة الشريعة في حقه، إذ القلب لا يتسع للعوض والمعوض عنه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في العيدين الجاهليين: «إن الله قد أبدلكم بهما يومين خيرًا منهما». فيبقى اغتذاء قلبه من هذه الأعمال المبتدعة مانعًا من الاغتذاء، أو من كمال الاغتذاء بتلك الأعمال النافعة الشرعية، فتفسد عليه حاله من حيث لا يعلم كما يفسد جسد المغتذي بالأغذية الخبيثة من حيث لا يشعر، وبهذا يتبين لك بعض ضرر البدع. اهـ. قلت: لله دره من إمام ما أعمله وأبصره بأمراض القلوب وعلاجها فتدبر كلامه رحمه الله بحضور قلب لعل الله ينفعك به. والله أعلم.
اللهم ثبت قلوبنا على الإيمان ووفقنا لصالح الأعمال، اللهم تفضل علينا بالقبول والإجابة وارزقنا صدق التوبة وحسن الإنابة، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
اللهم اعتقنا من رق الذنوب، وخلصنا من شر النفوس، وأذهب عنا وحشة الإساءة، وطهرنا من دنس الذنوب، وباعد بيننا وبين الخطايا وأجرنا من الشيطان الرجيم وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.

.فصل ذكر الأدلة على تحريم الغناء:

ومن الأدلة على تحريم الغناء ما روى سعيد بن أبي زيد عن أخيه عن ليث بن أبي سليم عن عبد الرحمن بن باسط عن عائشة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله حرم المغنية وبيعها، وثمنها وتعليمها والاستماع إليها».
وروى لاحق بن حسين بن عمر أن ابن أبي الورد المقدسي قال: حدثنا أبو المرجي ضرار بن علي بن عمير القاضي الجيلاني حدثنا أحمد بن سعيد عن محمد بن كثير الحمصي حدثنا فرج ابن فضالة عن يحيى بن سعيد عن محمد بن الحنفية عن علي ابن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا علمت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء، إذا كان المال دولاً، والأمانة مغنمًا والزكاة مغرمًا، وأطاع الرجل زوجته، وعق أمه، وجفا أباه، وارتفعت الأصوات في المساجد، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل مخافة شره، ولبس الحرير، واتخذت القينات، والمعازف، ولعن آخر هذه الأمة أولها، فليتوقعوا عند ذلك ريحًا حمراء ومسخًا وخفسًا». وعن معاوية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نهى عن تسع، وأنا أنهاكم عنهن، ألا إن منهن الغناء والنوح والتصاوير». الحديث. وعن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يحل تعليم المغنيات، ولا شراؤهن ولا يبعهن، ولا اتخاذهن، وثمنهن حرام، وقد أنزل الله ذلك في كتابه: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ} الآية والذي نفسي بيده ما رفع رجل عقيرته بالغناء إلا ارتدفه شيطانان يضربان بأرجلهما صدره وظهره حتى يسكت».
وعن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله حرم تعليم المغنيات، وشراءهن وبيعهن، وأكل أثمانهن». وذكر البخاري عن أبي مالك الأشعري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ليكونن من أمتي قوم يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف». وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من جلس إلى قينة، صب في أذنيه الآنك يوم القيامة». وعن ابن عباس في قول الله عز وجل: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} قال: الغناء. وعن أبي مالك الأشعري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يشرب ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، تضرب على رؤوسهم المعازف والقينات، يخسف الله بهم الأرض».
قال حذيفة بن إليمان رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تعرض الفتن على القلوب، كعرض، الحصير عودًا عودًا، فأي قلب أشربها نكتت فيه سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تعود القلوب على قلبين أسود مربدًا كالكوز مجخيًا، لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه، وقلب أبيض، فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض». قال ابن القيم: فشبه عرض الفتن على ما القلوب شيئًا فشيئًا كعرض عيدان الحصير وهي طاقاتها شيئًا فشيئًا، وقسم القلوب عند عرضها عليها إلى قسمين: قلب إذا عرضت عليه فتنة أشربها، نكتت فيه نكتة سوداء، كما يشرب الأسفنج الماء، فتنكتت فيه نكتة سوداء، فلا يزال يشرب كل فتنة تعرض عليه، حتى يسود وينتكس، وهو معنى قوله: «كالكوز مجخيا». أي منكوسا.
فإذا اسود وانتكس، عرض له من هذين الآفتين خطران متراميان به إلى الهلاك، أحدهما اشتباه المعروف عليه بالمنكر فلا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا وربما استحكم عليه هذا المرض، حتى يعتقد المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، والسنة بدعة، والبدعة سنة، والحق باطلاً، والباطل حقًا.
الثاني تحكيمه هواه على ما جاءه به الرسول صلى الله عليه وسلم، وانقياده للهوى واتباعه له.
وقلب أبيض، قد أشرق فيه نور الإيمان وأزهر مصابحه، فإذا عرضت عليه الفتنة أنكرها وردها، فازداد نوره وإشراقه وقوته، والفتنة التي تعرض على القلوب هي أسباب مرضها، وهي فتن الشهوات وفتن الشبهات، فتن الغي والضلال، فتن المعاصي والبدع، فتن الظلم والجهل، فالأولى توجب فساد القصد والإرادة، والثانية توجب فساد العلم والاعتقاد. اهـ. والله أعلم. وصلى على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
فصل:
فالقلوب نوعان قلب إذا عرضت عليه الفتنة أشربها وأحبها ومال إليها وأيدها، وقلب ينكرها وينفر منها ويحذر عنها، فذلك القلب الأبيض الذي أشرق بنور الإيمان، وهو معنى ما تقدم في حديث حذيفة، وقال أيضًا: ومن حيل الشيطان ومكائده الكلام الباطل، والآراء المتهافتة، والخيالات المتناقضة، التي هي زبالة الأذهان، ونحاتة الأفكار، والزبد الذي تقذف به القلوب المظلمة المتحيرة، التي تعدل الحق بالباطل، والخطأ بالصواب، وقد تقاذفت بها أمواج الشبهات، ورانت عليها غيوم الخيالات، فمركبها القيل والقال، والشك والتشكيك، وكثرة الجدال، ليس لها حاصل من اليقين يعول عليه، ولا معتقد مطابق للحق يرجع إليه: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً} وقد اتخذ لذلك القرآن مهجورًا.
ومما ورد في النهي عما يلهو به الرجل إلا ما استثنِيَ ما ورد عن عقبة بن عامر رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كل ما يلهو به الرجل المسلم باطل، إلا رميه بقوسه وتأدبيه فرسه، وملاعبته أهله، فإنهن من الحق». ففي الحديث دليل على أن كل ما يلهو به الإنسان فهو باطل، أي محرم ممنوع ما عدا هذه الثلاث التي استثناها رسول صلى الله عليه وسلم، فإنهن من الحق أو وسيلة إلى الحق.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله في الكلام علي حديث عقبة: «كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل». الحديث ما معناه: الباطل ضد الحق فكل ما لم يكن حقًا، أو وسيلة إليه، ولم يكن نافعًا فإنه باطل مشغل للوقت، مفوت على الإنسان ما ينفعه في دينه ودنياه، فيستحيل على الشرع إباحة مثل هذا. اهـ.
اللهم اكتب في قلوبنا الإيمان وأيدنا بنور منك يا نور السماوات والأرض اللهم وافتح لدعائنا باب القبول والإجابة واغفر لنا وارحمنا برحمتك الواسعة إنك أنت الغفور الرحيم وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
فصل: وقال ابن القيم رحمه الله: إذا أشكل حكم شيء هل هو للإباحة أو للتحريم؟ فلينظر إلى مفسدته، وثمرته وغايته، فإن كان مشتملاً على مفسدة راجحة ظاهرة، فإنه يستحيل على الشارع الأمر به أو إباحته، بل العلم بتحريمه من شرعه قطعي ولاسيما إذا كان مفضيًا إلى ما يغضب الله ورسوله وقال إلى شيخ الإسلام: لا يجوز اللعب بالطاب والمنقلة، وكل ما أفضى كثيره إلى حرمه، وإذا لم يكن فيه مصلحة راجحة، لأنه يكون سببًا للشر والفساد، وما ألهى أو شغل عن ما أمر الله به فهو منهي عنه، وإن لم يحرم جنسه كالبيع والتجارة، وسائر ما يلهى به البطالون من أنواع اللهو وسائر ضروب اللعب مما لا يستعان به على حق شرعي، فكل ذلك حرام. اهـ.
وكذا ينبغي أن يحذر مما يعوق سيره إلى الله والدار الآخرة، كالمطالعة في المجلات والصحف، والكتب التي لا يعود على صاحبها منها إلا الضرر، وضياع عمره الذي هو رأس ماله فيها قال بعضهم:
إِذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ عُمْرُكَ فَاحْتَرِزْ ** عَلَيْهِ مِنَ الإِنْفَاقِ فِي غَيْرِ وَاجِبِ

آخر:
وَأَسْوَأَ النَّاسِ تَدْبِيرًا لِعَاقِبَةٍ ** مَنْ أَنْفَقَ الْعُمْرَ فِيمَا لَيْسَ يَنْفَعُهُ

وسوف يسأل الإنسان عما أفناه فيه. فقد قال رسول صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدمَا ابن ادم يوم القيامة حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه، وماذا عمل بما علم».
فالعاقل من كان ملء قلبه، ومالك لبه قوله تعالى: {قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً} فسارع في الخيرات وبادر بالأعمال الصالحات، عاملا بقوله صلى الله عليه وسلم: «بادروا بالأعمال سبعًا هل تنتظرن إلا فقرًا منسيًا أو غنىً مطغيًا، أو مرضًا مفسدًا، أو هرمًا مفندًا، أو موتًا مجهزًا، أو الدجال فالدجال شر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر». رواه الترمذي.
نَخْطُوا وَمَا خَطْوُنَا إِلا إِلَى الأَجَلِ ** وَنَنْقَضِي وَكَأنَّ الْعُمْرَ لَمْ يَطُلِ

وَالْعَيْشُ يُؤْذِنُنَا بِالْمَوْتِ أَوَّلُهُ ** وَنَحْنُ نَرْغَبُ فِي الأَيَّامِ وَالدُّوَلِ

يَأْتِي الْحِمَامُ فَيُنْسِي الْمَرْءَ مُنْيَتَهُ ** وَأَعْضَلُ الدَّاءِ مَا يُلْهِي عَنْ الأَمَل

آخر:
تُرْخِي النَّوَائِبُ عَنْ أَعْمَرِنَا طَرَفًا ** وَنَسْتَقِرُّ وَقَدْ أَمَسْكَنَ بِالطُّولِ

لا تَحْسَبِ الْعَيْشَ ذَا طُولٍ فَتَتْبَعُهُ ** يَا قُرْبَ مَا بَيْنَ عُنْقِ الْمَرْءِ وَالْكَفَلِ

سَلَّى عَنْ الْعَيْشِ أَنَّا لا نَدُومُ لَهُ ** وَهَوَّنَ الْمَوْتَ مَا نَلْقَى مِنْ الْعَلَلِ

لَنَا بِمَا يَنْقَضِي مِنْ عُمْرِنَا شُغُلٌ ** وَكُلُّنَا عَلِقُ الأَحْشَاءِ بِالْغَزَلِ

وَنَسْتَلِذُّ الأَمَانِي وَهِيَ مُرْدِيَةٌ ** كَشَارِبِ السُّمّ مَمْزُوجًا مَعَ الْعَسَلِ

مَا هَذِهِ الدُّنْيَا بِدَارِ مَسَرَّةٍ ** فَتَخَوَّفوا مَكْرًا لَهَا وَخِدَاعَا

بَيْنَا الْفَتَى فِيهَا يُسَرُّ بِنَفْسِهِ ** وَبِمَاله يَسْتَمْتِعُ اسْتِمْتَاعَا

حَتَّى سَقَتْهُ مِنْ الْمَنِيَّةِ شَرْبَةً ** وَحَمَتْهُ فِيهِ بَعْدَ ذَاكَ رِضَاعَا

فَغَدَا بِمَا كَسَبَتْ يَدَاهُ رَهِينَةً ** لا يَسْتَطِيعُ لِمَا عَرَتْهُ دِفَاعَا

لَوْ كَان يَنْطِقُ قَالَ مِنْ تَحْتَ الثَّرَى ** فَلْيُحْسِنِ الْعَمَلَ الْفَتَى مَا اسْتَطَاعَا

آخر:
يُسِيءُ امْرُؤُ مِنَّا فَيُبْغَضُ دَائمَا ** وَدُنْيَاكَ مَا زَالَتْ تُسِيءُ وَتُومَقُ

أَسَرَّ هَوَاهَا الشَّيْخُ وَالْكَهْلُ وَالْفَتَى ** بِجَهْلٍ فَمِنْ كُلِّ النَّوَاظِرِ تُرْمَقُ

وَمَا هِيَ أَهْلُ أَنْ يُؤهَّلَ مِثْلُهَا ** لِوُدٍّ وَلَكِنَّ ابْنَ آدَمَ أَحْمَقُ

اللهم لا تشغل قلوبنا بما تكلفت لنا به، ولا تجعلنا في رزقك خولاً لغيرك، ولا تمنعنا خير ما عندك بشر ما عندنا، واغفر لنا لوالدينا ولجميع المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.